موسوعة أعلام الأندلس والمغرب
ترجمة
عبد الملك بن سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، أبو مروان، ال


الكتاب
العنوان  :  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، تحقيق إحسان عباس، الجزء 2، بيروت 1979.

الترجمة
الاسم  :  عبد الملك بن سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، أبو مروان، ال
الكنية  :  أبا مروان
اللقب  : 
عرقه  :  كلب بن وبرة
الترجمة  :  0
النص  :  قال أبو الوليد: وكان أبو مروان عبد الملك بن سراج فذ العصر، وعلم الفخر، وبقية حسنات الدهر، ونخبة أهل التقدم في شرف النصاب، وكرم الأحساب، ونسبه في كلاب بن ربيعة؛ أصاب سلفه سباء قديم صيرهم أولا في ولاء بني أمية بالمشرق، فكانوا في عداد مقدمة الموالى المروانيين، وصدروا في عظمائهم، ثم اتصلت نباهتهم بالأندلس يرثها خالف عن سالف، ويخلفها عن تالد طارف، مع صيانة وعفة وكرم طعمة، وعلو نفس وشرف همة، وعدول عن خدمة السلطان، وتنزه عن التصرف فيها والامتهان، وانحياش إلى طلب الديانة وانحطاط في شعب طريقة السلف الصالح؛ ويؤثر أن سراج ابن قرة الكلابي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو جدهم الذي إليه ينتمون، وناهيك بذلك شرفا مؤثلا، وفخرا خالدا مؤبدا؛ فتمسكوا بالانقباض عن التكالب على الدنيا، على أنها كانت متصدية لهم لو جنحوا إليها، ومعرضة لهم لو أقبلوا عليها، بل اقتصروا على مكاسبهم الطيبة وترقيح رفيع معايشهم، من فاشي ضياعهم المنتشرة المغلة، مقتعدين غارب الوقار والتجلة، أيام الصلاح وزمان الجماعة؛ ثم استمروا على طريقتهم تلك في مدة الفتنة وأمد المحنة، عند تقلص الأموال، وذهاب الأحوال، وفشو الاختلال، لم يفارقوا مع تزلزل الأقادم، وتقلب الأيام، وذهاب السلطان، وتضعضع الأركان، مركزهم من الصيانة، ولا عبد الملك بن سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، أبو مروان، الوزير، الفقيه أخلوا بكريم عادتهم من التحلي بها، والتزيي بباهر رونقها، ولا انحطوا عن رفيع مرتبتهم من نفاسة المأخذ والسيرة التي آثروها، ولا انسلخوا من حلة القناعة، إلى أن درج من درج منهم، وستر التجمل ضاف لديه، وظل الجلالة مكتنف له ومشتمل عليه. ثم نشأ هذا الشيخ أبو مروان فيهم محيي [رسم] علم اللسان بجزيرة الأندلس ومقيم أوده، ومسدد رزيغه، ومثقف معوج قناته، وموضع معضله، ومجلي غياهب مشكله، وجامع مفترق أدواته، وحاوي قصب السبق في إحراز بعيد غاياته، وتجاوز أقصى نهاياته، وأعلم به من كل من شددت إليه الأقتاب، وأنضيت في طلب ما عنده الركاب؛ ولقد كان في ذلك كله آية من آيات الله معجزة، وندرة من ندرات الأيام معجبة، ونورا ساطعا، وجوادا سابقا، مع متانة الدين، وصحة اليقين، وجلالة المأخذ، وجزالة المقطع، وصلابة القناة في الحقائق، وقلة الإدهان فيها وملازمة الجد في جميع الأحوال، ومشهود الثقة فيما يتقلده، وبراعة الإيجاز فيما يلقيه ويورده، وحسن التأدية، وقرب الإفهام، وتذليله كل صعب المرام، والتبيين في الرد والإقناع في الجواب، وترك الجدال والمراء، والبعد عن العجب والخيلاء؛ لعظيم ما كان يحمله، وجليل ما ينتخله، وخطير ما يشتمل عليه صدره، ويجيش به بحره، ويشخو به ذكره، وتفيض به مواد معرفته، وتنهل به أهاضيب علمه، وتسح به شآبيب إحاطته، ثم لا يزال مع ذلك دهره يعترف بالتقصير، وينتسب إلى التعذير، ويعلم أن الإحاطة معجزة، وأن محاولتها معوزة. سبق بهذه الخلال الحميدة من سلف، وأيس بإدراك بعضها من خلف، لم ير قبله مثله، ولا يرى بعده، والله أعلم. وأحيا كثيرا من الدواوين الشهيرة الخطيرة، التي أحالتها الرواة الذين لم تكمل لهم الأداة، ولا استجمعت لديهم تلك المعارف والآلات، واستدرك فيها أشياء من سقط واضعيها، ووهم مؤلفيها، ككتاب البارع لأبي علي البغدادي، وشرح غريب الحديث للخطابي وقاسم بن ثابت السرقسطي، وكتاب أبيات المعاني للقتبي، وكتاب النبات لأبي حنيفة وكتاب الأمثال للأصبهاني وغير ذلك من كتب الحديث وتفسير القرآن مما لم يحضرني ذكره، ولم يمكن حصره، إذ كانت قبل فتحها عليه، وإصلاحها بين يديه، طامسة الأعلام، مختلة النظام، وقد سد التصحيف طرقها، وعور التبديل نسقها، ففتح مستغلقها، ونظم مفترقها، وعانى خللها، وأزاح عللها، وقيد مهملها، وأبرز محاسنها، وأثار كمائنها، وأعتقها من هجنة التعطيل فرغب في استعمالها، وأطلقها من ربقة الخمول فحرص على حملها وانتحالها، فلو رأى ذلك الواضعون لها وشاهدوا لسلموا له وأذعنوا، وصرحوا بفضل شفوفه عليهم وأعلنوا. ولقد أذهب الله بذهابه خيرا كثيرا، وأطفأ بوفاته سراجا منيرا. وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمان خلون لذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة ؛ ومولده كان في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه سنة سبع وأربعمائة وكان رحمه الله في اعتلاء سنه حسن البنية، ممتعا بحواسه وتوقد ذهنه وسرعة خاطره، يقرأ دقيق الخط، ويثابر على المطالعة ويدأب عليها، ولا يخل بحظه منها، ويقرأ عليه مستغلق الكتب، وعويص المعاني وغامضها، فينكر وهم القارئ ويحسن الرد عليه؛ ختم الله به علم اللسان، كما ختم به وبأبيه قبله أفاضل أهل الزمان. ودفن عصر السبت التاسع من ذي الحجة المؤرخ، وصلى عليه ابنه الوزير الفقيه أبو الحسين سراج بن عبد الملك، تاليه في الفضل وكرم الخلال مع سري الخصال، وحائز ميراث مفاخره الجمة. وكان يومه حافلا مشهودا، والأسف في الخاصة والعامة عليه شديدا، والثناء حميدا، وتناغت لمة أهل الأدب من الآخذين عنه والمقتبسين منه وغيرهم في تأبينه ورثائه، فأكثروا وأجادوا، وأبدوا وأعادوا؛ منهم الشيخ الفقيه أبو بكر بن خازم وبقية الأعيان - كان - في ذلك الأوان من أهل قرطبة وذوي السوابق النبيهة فيهم، رثاه بقصيدة أولها : ألم تر أن الموت نادى فاسمعا ... فأنت جدير أن تشيب وتجزعا .... ولما فشى بين البرية نعيه ... أصم به الناعي وإن كان اسمعا ومما شجاني أنني إذ سمعته ... تمنيت أن نسقى كؤوس الردى معا فقطع قلبي ثم سال بمدمعي ... فيالك دمعا من فؤاد تقطعا! ومعنى هذا البيت الأخير مشهور، وقد اندرج منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، ومنه قول ابن دريد : قلب تقطع فاستحال نجيعا ... وجرى فصار مع الدموع دموعا رجع: فيا طالبا للعمل لا تطلبنه ... بطي الثرى قد غادروا العلم أجمعا أبعد أبي مروان تبصر عالما ... نبيها لأنواع العلوم مجمعا - إذا ما احتبى في مجلس العلم أنصتوا ... له وأتى بالمعجزات فأبدعا وما كان إلا الغيث عم بنفعه ال ... أنام فلما هم بالري أقلعا ومنهم الأديب أبو جعفر أحمد بن عبد الله المعروف بابن شانجه الوكيد، الاختصاص به واللزوم له، والأخذ عنه. رثاه يومئذ بقصيدة يقول فيه: نعى الهدى والعلم ناع ... فأودى ما تضمنه الصدور سيعلم من نعاه لنا بأنا ... وجدنا الفضل ناعيه كثير يقول القائلون حواه لحد ... تجسم دونه كرم وخير ولا والله ما وارتك أرض ... وسروك فوقها أبدا يسير. ومنهم الوزير الفقيه النبيه أبو عبد الله جعفر بن محمد بن مكي بن أبي طالب القيسي أحد أعيان وقته ذكاء ونبلا، وسروا كاملا وفضلا، أبنه بقصيدة أولها: انظر إلى الأطواد كيف تزول ... والحالة العلياء كيف تحول الموت حتم والنفوس ودائع ... والعيش نوم والمنى تضليل لا يعصم العصماء منه شاهق ... صعب ولا الورد السبنتي غيل يرمي فما تشوي الرمية نبله ... فيصاب تنبال بها ونبيل يهوى الفتى طول البقاء مؤملا ... وله رحيل ليس عنه قفول يلهو ويلعب مطمئنا ذاهلا ... وله رسيم نحوها وذميل ومنها: أودى سراج المجد وابن سراجه ... فلنور شمس المكرمات أفول لو كان علم الدين يبكي ميتا ... لبكى الحديث عليه والتنزيل كم من حديث للنبي أبانه ... فبدت له غرر ترى وحجول كم مصعب في النحو راض جماحه ... حتى غدا والصعب منه ذلول أدنى إلى الأفهام نائي علمها ... حتى تساوى عالم وجهول طب بأدواء الكلام ملقن ... سهم على عوراته مدلول قوله: " انظر إلى الأطواد كيف تزول " معنى منقول، ومنه قول ابن بسام البغدادي : قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال وقال ابن الرومي: من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأجبال وقال الرضي يرثي الصاحب : أكذا المنون تقطر الأبطالا ... وكذا الزمان يضعضع الأجبالا - جبل تسنمت البلاد هضابه ... حتى إذا ملأ الأقالم زالا وقال أبو محمد الصقلي للمعتمد بن عباد : ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير وقوله: " يهوى الفتى طول البقاء " ... البيت مع الذي بعده، من المعاني المتداولة أيضاً، وقد تفرقت في أثناء هذا الكتاب. ومنهم الوزير الكاتب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أحد الزعماء في صناعة الشعر والنثر، وثبوت القدم في الأدب، أبنه أيضاً بقصيدة فريدة أولها: ما منك يا موت لا واق ولا فادي ... الحكم حكمك في القاري وفي البادي قدم أناسا وأخر آخرين فلا ... عليك يا مورد الحادي على الهادي يا نائم الفكر في ليل الشباب أفق ... فصبح شيبك في أفق النهى بادي سلني عن الدهر تسأل غير إمعة ... فألق سمعك واستجمع لإيرادي نعم هو الدهر ما أبقت غوائله ... على جديس ولا طسم ولا عاد ألقت عصاها بنادي مأرب ورمت ... بآل مامة من بيضاء سنداد وأسلمت للمنايا آل مسلمة ... وعبدت للرزايا آل عباد ما لليالي أقال الله عثرتنا ... منها تصرع أضدادا بأضداد فلت قنا سمهر شلت أناملها ... بعود طلح وأسيافا بأغماد فعوضت من حسين الخير أو حسن ... بالأرقط ابن أبيه أو بعباد بعدا ليومك يا نور العلاء ولا ... شجا بموت ولا سلى بميلاد لهفي عليك خبا فيه سناك وما ... خبا ولكنها شكوى على العادي لا شمس قبلك زادت بالغروب سنا ... واستأنفت نشر أنوار وأوراد أطلعت ذكرك لما غبت وابنك في ... أفق العلا نيري هدي وإرشاد لما ملأت دلاء المأثرات إلى ... أكرابها واحتبى في حلمك النادي وطبقت بك آفاق العلا همم ... زانت مطالع آباء وأجداد غضت عنانك أيدي الدهر ناسخة ... علما بجهل وإصلاحا بإفساد لا در در ليال غورتك ولا ... سقى صداها غريض الرائح الغادي فما سمعنا ببحر غاض في جدث ... وكان ملء الربى يرمي بأزباد ولا بطود رسا تحت الثرى وسما ... على السها حملوه فوق أعواد أعجوبة قصرت من خطو كل حجى ... فلم يكن في قوى منها ولا آد لقد هوت منك خانتها قوادمها ... بكوكب في سماء المجد وقاد ومقرم كان يحمي شول قرطبة ... أستغفر الله لا بل شول بغداد ومنها: من للعلوم إذا ما ضل ناشدها ... في ظلمة الشك بعد النير الهادي - من للحديث إذا ما ضاق حامله ... ذرعا بمتن وإيضاح وإسناد من للتلاوة أو من للرواية أو ... من للبلاغة بعد العاد والبادي - شق العلوم نظاما والعلا زهرا ... ثبين ما بين رواد ووراد مضى ما أبقت وما أخذت ... أيدي الليالي من المفدي والفادي! وهذه القصيدة طويلة سلك فيها أبو محمد طريقته في الرثاء، إلى الإشارة والإيماء، بمن أباده الحدثان من ملوك الزمان، وقد نسق ذكرهم على توالي أزمانهم في قصيدة [اندرج له كثير من البديع فيها]؛ هي ثابتة في أخباره في القسم الثاني من هذا المجموع. واقتفى أبو محمد أثر فحول القدماء، من ضربهم الأمثال في التأبين والرثاء، بالملوك الأعزة، وبالوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبالنسور والعقبان والحيات في طول الأعمار، وغير ذلك مما هو في أشعارهم موجود، فأما المحدثون فهم إلى غير ذلك أميل، وربما جروا أيضاً على السنن الأول. وممن رثاه يومئذ الكاتب أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن طريف أحد كتاب العصر، وفرسان النظم والنثر، رثاه بقصيدة أولها: يبيح الحمام منيع الحجاب ... ويسري إلى المرء من غير باب ولم أر أنفذ من سهمه ... وأفوز من قدحه بالغلاب ألم تره كيف هد الهدى ... وأصمى العلا بأليم المصاب - ومنها: فمن لخفايا حديث الرسول ... ومن لغوامض علم الكتاب - ومن ذا يروي ظماء العقول ... ويشحذ البابهن النوابي فلهفي عليه وإن كان لهفي ... قليل العزاء ضعيف المناب إذا عادني عيد تذكاره ... أجد أسى لم يكن في الحساب وإن جمد الدمع في ناظري ... مددت قواه بقلب مذاب فلا شيء أعجب من يومه ... برؤية ثهلان بين الرقاب عزاء سراج العلا فالجميع ... قليل البقاء سريع الذهاب ومنهم الوزير الكاتب أبو بكر محمد بن ذي الوزارتين الكاتب المشرف أبي مروان بن عبد العزيز المقدم في نبله على تأخر سنه، رثاه أولا بقصيدة أولها: هل فوجئت بمصاب قبله العرب ... أو أسقطت لملم غير الشهب - ومنها: ما كنت أحسب أن الموت معترض ... ذاك الجلال ولما ينته الرهب من لا تمر عليه الشمس طالعة ... إلا وعرنينها من نعله ترب إذا تطلع في ناديه محتبيا ... لم يأته الدهر إلا وهو منتقب يا طالب العلم لا ترحل فقد رديت ... بك المهارى وجف الماء والعشب فيم الذميل وحث السير منتجيا ... وأين يبلغك التقريب والخبب ضلت سبيلك لا هاد ولا علم ... وغاض شربك لا ورد ولا قرب يا فاضل الخطة الشنعاء قد عوصت ... تعيا بها الخطباء اللسن والخطب إن الخصوم قد اصطكت مرافقها ... فخل بينهم حكما فقد شغبوا قلها لدى الحفل تمضي إن مبلغها ... ما ليس تبلغه الهندية القضب طود العلا زعزعتك النائبات وما ... حذرت أن تترقى نحوك النوب ما مات من خلدت فينا مآثره ... لكنه سبب أن يرفع الأدب لولا سراج وفي وجدانه عوض ... لم يدر ما اسم لمعلوم ولا لقب [فإن تفلل بأيدينا صوارمنا ... لم تعن إلا وأطراف القنا سلب] ومنهم الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد القرشي المرواني الناصري، عين أهل بيته الخطيرة، وأحد شهبها المنيرة، رثاه أيضاً بقصيدة أولها : رمته الرزايا عن قسي خطوبها ... بسهم فأيا فوقت نحوه أيا - فيا عجبا أنى طواه ضريحه ... وقد كان يطوي الدهر من نشره طيا فثل ذرا عرش العلا وتناثرت ... نجوم المعالي من مراتبها وهيا وكم آية للدين بين شرحها ... ولم يعترفها بعد ما كان قد أعيا وكم من حديث للنبي أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشيا ومنهم الأديب النبيل أبو العباس أحمد بن محمد الكناني أحد تلامذته الآخذين عنه، رثاه أيضاً بقصيدة أولها: رزء تطلبت فيه الصبر فامتنعا ... ورمت دمعي على التسكين فاندفعا قال فيها: حديث صدق نعى الناعي إلي ضحى ... فزعت فيه إلى التكذيب حين نعى صبرا سراج فيما يبقي الردى أحدا ... كل سيجرعه من كأسه جرعا أقول صبرا كأني غير مكترث ... والله يعلم أنا موجعان معا إلى غيرها من قصائد طويلة قليلة الطائل أثبتها أبو الوليد المذكور بجملتها، لم يتسع هذا المجموع لاستيفائها، وفيما مر منها كفاية. وأكثر من أبنه في ذلك اليوم أطال في مدح ابنه، وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بهم الإكثار من مدح المعزى في تأبين حميمه المتوفى، وإنما يلمون به إلماما بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله، ثم الكر على تسكين جأشه، وحضه على التعزي اتقاء لربه، هذه طريقة فحول الشعراء . والوزير الفقيه أبو الحسين ابنه المخاطب يومئذ بهذه الأشعار هو سراج ابن عبد الملك بن سراج، إسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، فإنه سراج علم وأدب، وبحر لغة لسان العرب، وإليه في وقتنا هذا بحضرة قرطبة شد الأقتاب، وإنضاء الركاب، في الاقتباس منه، ثم إنه في هذا الفن الذي نحن في إقامة أوده، زمامه وخطامه في يده، ولنظمه ونثره ديباجة رائقة، وهو القائل : لما تمكن من فؤادي منزلا ... وغدا يسلط مقلتيه عليه ناديته مسترحما من عبرة ... أفضت بأسرار الضمير إليه رفقال بمنزلك الذي تحتله ... يا من يخرب بيته بيديه! وهذا البيت الأخير منها كقول التهامي : حرق سوى قلبي ودعه فإنني ... أخشى عليك وأنت في سودائه وأنشدت أيضاً لبعض أهل العصر: فقلت له لا ترم قلبي فإنه ... مكانك والمرمي أنت ولا تدري وقال أبو الوليد بن حزم : أذكيت في قلبي بنأيك لوعة ... حتى خشيت على محلك فيه وفي قريب منه قول ابن شرف: عجبت منه وأحشائي منازله ... كيف استقر بها من كثرة القلق وقلب هذا المعنى بعض فتيان وقتنا وهو الأديب أبو بكر بن بقي فقال: أبعدته عن أضلع تشاقه ... كي لا ينام على وساد خافق وبلغني أنه خرج مع بعض إخوانه إلى بعض البساتين، فعار فرس أحدهم فاتبعه صاحبه وساعده أبو الحسين، وتخلف عنهما أبو الحسن بن اليسع، وأكب على راحه هنالك، فكتب إليه أبو الحسين ابن سراج: عمري أبا حسن لقد جئت التي ... عطفت عليك ملامة الإخوان لما رأيت اليوم ولى عمره ... والليل مقتبل الشبيبة داني والشمس تنفض زعفرانا في الربى ... وتفت مسكتها على الغيطان أطلعتها شمسا وأنت عطارد ... وخففتها بكواكب الندمان فأتيت بدعا في الأنام مخلدا ... فيما قرنت ولات حين قران ولهيت عن خلي صفاء لم يكن ... يلهيهما عنك اقتبال زمان غنيا بذكرك عن رحيق سلسل ... وحدائق خضر وعزف قيان ورضيت في دفع الملامة أن ترى ... متعلقا بالعذر من حسان وهذا رواء الديباج الخسرواني، ورونق العصب اليماني، ولمثله فلتنشرح الصدور، ويتشوف السرور، ويذعن المنظوم والمنثور، ألا ترى ما آنق استعاراته، وأرشق إشاراته، وأقدره على الإتيان بالتشبيه دون أداته، وكذلك طبعه في سائر مقطعاته. على أن أشعار العلماء على قديم الدهر وحديثه بينه التكلف، وشعرهم الذي روي لهم ضعيف، حاشا طائفة، منهم خلف الأحمر، فإن له ما يستندر، وقطرب له أيضاً ما يستغرب، كقوله وقد رويت لغيره: إن كنت لست معي فالذكر منك معي ... يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري فالعين تبصر من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخلو من النظر والخليل بن أحمد، له أيضاً بعض ما يحمد، ومؤرج السدوسي، وابن دريد من الشعراء العلماء؛ وكذلك من علماء البصرة أبو محمد اليزيدي وبنوه، وهو القائل في حمويه ابن أخت الحسن الحاجب: إن فخر الناس بآبائهم ... أتيتهم بالعجب العاجب قلت وأدغمت أبا خاملا ... أنا ابن أخت الحسن الحاجب ومن هذا أخذ دعبل قوله: سألته من أبوه ... فقال دينار خالي فقلت دينار من هو ... فقال والي الجبال وابن مناذر أيضاً عالم شاعر، وأبو محلم السعدي، وهو الذي يقول: تصيخ لكسرى حين تسمع ذكره ... بصماء عن ذكر النبي صدوف وتغرق في إطراء ساسان وابنه ... وما أنت من أعلامهم بشريف ومن العلماء الشعراء أحمد بن أبي كامل وهو القائل: لا أرى فيما أرى شبهاً ... لك غير البدر في الظلم غير أن البدر ليس له ... لحظة تدعو إلى السقم ومن الرواة الأخباريين محمد العتبي وهو القائل: رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر الأبيات. هؤلاء أعيان العلماء الشعراء بالمشرق، ممن علا شعرهم ديباجة ورونق، فأما من سواهم كيونس والأخفش وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه والفراء وسائر أصحابهم فأكثر الرواة لم يسمع لهم بشعر، والكسائي الذي يقول: " إنما النحو قياس يتبع " له شعر ضعيف، بين التكليف. فأما أبو عبيدة فله شعر يضحك، لا سيما قوله في ابن أخي يونس النحوي، وكان يسمى خرك، لم أر أن أكون من رواته إذ هو معدود في هناته. وللأصمعي قصيدة في بني برمك أكثر فيها من الغريب، وما أتى بغريب؛ وكذلك من علماء الكوفة جماعة مثل خالد بن كلثوم، وأبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي وأصحابهم، زعم ابن المنجم أنه لم يسمع لهم بشعر. وأما العلماء الشعراء بأفقنا هذا الأندلسي من حين استفتحت الجزيرة إلى آخر دولة بني عامر، فقد تقدم المصنفون قبلي إلى تدوين نثرهم ونظمهم، فأغناني عن ذكرهم، وإنما شرطت ذكر أهل عصري ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري. (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، تحقيق إحسان عباس، الجزء 2 بيروت 1979).
مصادر  :  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، تحقيق إحسان عباس، الجزء 2 بيروت 1979.

المجال الزمني
ولد  :  407
كان حيا  : 
كان حيا ق  : 
كان حيا ب  : 
توفي  :  489
توفي قبل  : 
توفي بعد  : 
عصره  : 
عاصر  : 

المجال الجغرافي
أصله من  :  قرطبة
ولد في  : 
نشأ في  : 
سكن  : 
توفي ب  :  قرطبة
دفن ب  :  الربض
رحل إلى  : 

المجال المهني
مهنه  : 
مولى
نص المهن  :  مولى بني أمية.

المجال المعرفي
مروياته  :  روى عن أبيه والقاضي يونس بن عبد الله وعن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا الافليلي وأبي سهل الحراني وأبي محمد مكي بن أبي طالب المقرىء وأبي محمد الشنتجيالي وأبي عمرو السفاقسي وأبي مروان بن حيان.
تراثه  : 
تخصصاته  :  امام اللغة بالأندلس، عالما بضروب الآداب ومعاني القرآن والحديث.
قائمة التخصصات  : 
لغوي

المذهب والعقيدة
نص المذهب  : 
مذهب  : 
نص العقيدة  : 
عقيدة  : 

المدارسة
شيوخه  : 
...
تلاميذه  : 
...




فكرة وتحليل وإشراف على جمع المعطيات : مصطفى بنسباع - تصميم قاعدة البيانات والبرمجة : المهدي الشعشوع