الرئيسية
الجدول العام
الجدول الأبجدي
مصادر التراجم
البحث المتعدد
حول الموسوعة
ترجمة
عمر بن الشهيد، أبو حفص، الوزير، الكاتب، التجيبي
الكتاب
العنوان :
الذخيرة في محاسن أهـل الجزيرة،ابن بسام تــ إحسان عباس:ط بيروت 1979،ج1
الترجمة
الاسم :
عمر بن الشهيد، أبو حفص، الوزير، الكاتب، التجيبي
الكنية :
أبو حفص
اللقب :
عرقه :
الترجمة :
670
النص :
أبو حفص هذا [في وقتنا] كان فارس النظم والنثر، وأعجوبه القران والعصر، ونهاية الخبر والخبر؛ رقم برود الكلام، ونظم عقود النثر والنظام. وهو إن لم يزر لملك، ولم تدر عليه رحى ملك، فليس بمتأخر عن طبقات المحسنين، ولا بسكيت حلبات الكتاب المجيدين. وقد أخرجت في هذا الفصل من بارع كلامه، في نثره ونظامه، ما يشهد برسوخ أعلامه، وشهرة أيامه. جملة من كلامه في أوصاف مختلفة. من ذلك رقعة خاطب بها بعض إخوانه يقول فيها: أبثك أحدوثة عجبٍ تضحك سنك، وتطبق بالطيب وقتك ، فما زالت النوادر مستغربةً لا سيما نوادر علية الكتبة: وجهت فلاناً إليّ بكتاب يخصك ما تضمنه، وكنت - علم الله - حين موافاته منزلي حليف ألم، قد أطلت عليه التململ، وأسهرني ليله الأطوال، وقد انقض عني من كان معي رجاء غفوةٍ أستشفي بها، وأسترد بعض منتي بها. فقرع الباب قرعاً منكراً يتبين الحرج فيه، ويظهر الضجر في تتاليه؛ فتداخل الخادم رعب وقالت: هو خطب؛ ثم خرجت على تحامل، بروعة جنان، ولجلجة لسان، ومنطق جبان؛ تنقل قدمها إليه على وجل: كما يمس بظهر الحية الفرق ... ثم قالت: من الرجل - فأنغض رأسه نحوها وقبض على لحيته بيمنه، وأحد النظر إليها وتنهد وقال: أواه على طموس رسم الأدب! وتمثل: أني لأفتح عيني ثم أغلقها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا ثم أقبل على الخادم وقال: يا لكعاء، كسبت في ترفه العيش معرفة الحلو والمرّ، والخشن من اللين، وفي كل ذلك لم تحفظي بيتاً واحداً من الشعر يحسن به أدابك ويحجرك أن تقولي من الرجل - أين أنت يا لكعاء من قول أبي تمام : يحميه لألأؤه ولوذعيته ... من أن بذال بمن أو ممن الرجل ولكنك ما علمت، حرجة الصدر، فلبك فارغ إلا من الغفلة، ولحظاته بليدة على التفصيل والجملة. أقسم لو أنك امرأة من الأزد، أسد الباس ومقاديم الناس، لرأيت لألأة الأزدية في أسرة وجهي، ولولا تحفزي للأمر الذي وردت له، لكان لي ولك خطب ، ولأعطيتك قانوناً في الفراسة والزجر، ونبذت إليك بعلم من علوم الدهر، لا يلتبس عليك معه الشريف أيام عمرك. يا هذه قولي لرب المنزل يترمم لإنفاذ هذا الكتاب. فقالت له الخادم: عافاك الله، إنه عليل، ومن صبه ثقيل وقد برح به السهر، ولان لغفوته السمر، ولا بد من التخفيف عنه. فجرجر جرجرة العود الدبر، وتزيد من الحرج والضجر، وقال: بسل علينا معشر الأزد أن نفري ولا نخلق، أو نتوجه في أمر فلا نحقق. يا هذه، ليس هذا إيوان كسرى فنتزود لا ستخراج الحاجة به: المال والصبر والعقل؛ ومن العجب وقوفي معك منذ اليوم أضرب لك الأمثال، وأصرف المقال، وأنت لاهية عني، لا يعنيك أمري. أترين صاحبك شرب من الخمر أقداحاً، وسمع نوبات ، فلما اعتدل مزاجه، وتوارت وجوه النوائب عنه، قال للدهر أدر دوائرك فإني لا أعبأ بك! - قد علمت علته؛ أقسم لو أن به ألف علة، تكون حياته من جميعها مختلة ، لينفذن هذا الكتاب. قالت له الخادم: ويحك ما أجفاك من وافد الأزد! أين منك رقة الحجاز وفصاحة نجد - ما أقبح هذا العقوق، بمن شرب ماء العقيق، وأسوأ هذا الأدب، ممن ينتهي إلى ذؤابة العرب! فقال: يا لكعاء، إنك لتجادلينني عن نسي - وحياة ما نقلته من الخطى، وتجشمته من البيداء ، لينفذن هذا الكتاب، أو لأشهدن عليه بالعصيان والتكاسل، والتواني والتثاقل؛ فمثلي لا يرد إلا بحزم، ولا يصدر إلا عن فضل. فقالت له الخادم: ما أسوأ تقديرك للأمور! لئن كان مخموراً خمار وصب، فهؤلاء الشهود معهم شرب، وعندهم طرب، وصاحب المدينة منه بنسب، وعلى صلة سب، فأين تذهب - فشمخ بأنفه وكسر من طرفه، ومدد الزفرة، وردد التلهف والحسرة، ثم قال: أفٍ للدنيا فما تزال تعنينا بمثل هذه الهنات. فلما شد على شعسه للانصراف أقبل على الخادم فقال: قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا أما إنك لولا أن تكوني باهلية الضئضئ لعرفتك. ولكن سأودع عندك أرجاً يدل على موقفي في هذه البحبوحة. أنا العتكي الحسيب والنسب، وذو الهمة والأدب، فمن سألك فقولي ما شهدت، وحدثي عما عاينت، وما أراك تجدين ظاهراً تقيمين به فرض الثناء عليّ؛ اذهبي لا محفوظةً ولا مكلوءة. ثم انحدر فما علمنا ما كان منه. @وله من مقامة حذفت بعض فصولها لطولها قال في صدرها: إن صناعة الكتابة محنة من المحن، ومهنة من المهن؛ والسعيد من خدمت دولة إقباله، والشقي من كانت رأس ماله، والعاقل من إذا أخرجها من مثالبه لم يدخلها في مناقبه، لا سيما وقد تناولها [يد] كثير من السوق، وباعوها بيع الخلق؛ فسلوبها تاج بهائها، ورداء كبريائها، وصيروها صناعة يكاد الكريم لا يعيرها لحظه، ولا يفرغ في قالبها لفظه؛ إذ الحظ أن يعثر الكرام إذا ولي الأعلاج، وأن تستنعج الآساد إذا استأسدت النعاج. غير أنه من وسم بسمتها وظهر في وسمتها، فغير مجهول مكانه، ولا مسلم له كتمانه. وما عسى أن يصنع بذي مكانة وحسب، إذا اتفق يوم سرور وطرب؛ ورغب رغبة كريم، أن يؤرخ له بمنثور ومنظوم - أقسم لو كان وجه الإنسان في صفاقة نعله، أو وقاحة حافر بغله، لما وسعه غير الإسعاف، على حكم الإنصاف وإلا لزمه اسم التبريد والجمود. وبهذا السبب دفعنا إلى النصب فيما تسمعه، وربما تستبدعه . ولئن مرت بك كلمات محاليات، تنظمها سلوك هزليات، فإنما هي أوصاف طابقت موصوفاتها، وحلى على أقدار محلياتها. والبليغ كالجوهري واجد التعب، في نظم الدر أو المخشلب، وكالصائغ واجد العناء، في سبك الصفر أو الفضة البيضاء، وكالعقاب واجد الانهواء، على الصقر أو المكاء. والعاقل من برز يوم السرور في زي الأعياد، ويوم الحزن في ثياب الحداد؛ وسيان في الفجاجة والبرد، من جد عند الهزل أو هزل عند الجد. ولا أوضح في القياس، من حركات الناس، كحركات الشموس والأقمار، في الفلك الدوار، كلما انتقلت في المنازل والبروج، عدلت بالأسطرلاب والزيج، ووقف على حقائقها، بثوانيها ودقائقها، محصورة بالحدود، في القريب والبعيد، كحركات الفقيه ابن الحديد، فإن أيامه على مناكب الأيام أردية شباب، وفي مفارقها تيجان نخوة وإعجاب. وفي فصل منها: فدونكها عذراء، محجلة غراء، كما رفع عنها سجف الإبداع، وأبرزت من كناس الاختراع؛ تنظر بعين الغزال روع، وأويس بعدما أطمع. نعم، اتفق من الربيع وقت حلول الشمس في الحمل، وقام وزن الزمان واعتدل، وأخذ آذار على ما اعتاد، فحلى الوهاد والنجاد ، وخلع على ظهور المروج، ضروب الدبابيج ، وأثقل صدور الأشجار، بحلى النوار، واطبى نفوس الأطيار، بنضارة الثمار، فبعثت أشجانها، ترجع ألحانها، فما شئت من رمان تملأ كف العميد، من أمثال النهود، تحت القلائد والعقود، وتفتق عن أمثال الجمر، إن وصفت فكاللثات الحمر، أو ارتشفت فكالرضاب الخصر أو الخمر. ولما انتظمت للزمان هذه المحاسن، حنت نفس الفقه بسيادتها، إلى كرم عادتها، من الإحسان إلى الأتباع، والتسلية لنفوس الألاف والأشباع؛ فلما صعق الديك وصاح ،واستغفر كل عبد منيب ربه وسبح، وهم بشن الغارة كمين الصبح من المشرق، واهتز الفجر اهتزاز الرمح في يمين الأفق، أطلق لسانه الفصيح، بالتهليل والتسبيح، ثم عاد بماء طهور، وأفرغه نوراً على نور، فوضاً وجهاً وضاء، يملأ العيون بهجة وسناء. وفي فصل منها: وملنا إلى منزل بدوي، ذي هيئة وزي: له منزل رحب عريض مزرب ... بأعواد بلوط وطوج مفتل " ترى بعر الآرام في عرصاته ... وقيعانه كأنه حب فلفل " فهش وبش، وكنس منزله ورش، وصير عياله إلى ناحية، وجمع أطفاله في زاوية، وجعل يدور كالخذروف أما الصفوف، يتلقى الواحد منا بعد الواحد، يأخذ بركابه، ويكشر عن نابه، ويتمثل: أخذي كذا بركاب الضيف أنزله ... ألذ عندي من الأسفنج بالعسل أو من رغائف كانون ملهوجة ... أو رائب بقري جيد العمل أو من خوار عجول في مسارحها ... أو من ركوب الحمير الفره في الكفل ثم مال بنا إلى بيت مكنس، منوع مجنس، قد جلله حصراً بلدية، وغشاه بسطاً بدوية، ومد فيه شرائط وحبالاً، كأنه يريد أن يخرج خيالاً ،وعلق منها غلائل وملاءات، وهمايين وسراويلات، وكم شئت من خرق معصفرة، وعصائب مزعفرة، حتى المقنعة والخمار، والدلال المستعار؛ وقد اتخذ في الحائط كوة وثانية، وملأها حقاقاً وآنية، وأودعها من عتاد العروس فاخره، ومن طيب البادية أوله وآخره، مثل حراقة الورد بالبان، وعصارة العصفر بالزعفران، وشيء من الاثمد والاسفيذاج ، ومراود الزجاج، وحبات المصطكي واللبان، وغبار العفص وقشور الرمان، وكثير من سنون ذلك المكان. فقلت: يا صاحب المنزل هنئت وهنيت، لقد أوتيت وأوتيت؛ وجعلت أرقق عن صبوح ، وأقول: متى كان الخيام بذي طلوح ... من أين للبداوة، بهذا الرونق والطلاوة، وكيف حتى أغرت على حانوت العطار، ومتى نقل سوق البز إلى هذه الدار - لقد قرت بك الأعين، وسرت الأنفس. هذا زي العروس فأين العرس - فضحك البدوي ملء فيه، وتوسمت الازدراء فيه، وأنشد يا أخي نحن على أن ... ا نتاج بدوي سادة ناس لنا في ... هذه الدنيا دوي عندنا إن جاء ضيف ... شبع جم وري وسرير حشوه ري ... ش الفراريج وطي وكرامات كثيرا ... ت وهيئات وزي ثم قام من مكانه، ودعا بصبيانه، وأغراهم بديك له هرم، ليذبحه في طاعة الكرم . فأجروه لأمهم الهاوية، من زاوية إلى زاوية، حتى سقط الديك سقوط طليح، جسماً بلا روح، فأقبلوا إليه، متهافتين عليه، وهو يضطرب اضطراب المخنوق، ويستغيث بالخالق والمخلوق. واتفق لفرط حنقه، ومؤلم تقلقه، أن عض على أيديهم عضة، وانتفض منهم نفضة، وصعد في بعض الجوائز ، وحمد الله حمد الفائز، وتمثل: إذا غرقت ببحر ... من الردى فياض فلا يكن بهلاك ... عليك ظنك قاض فليس في كل وقت ... سيف المنية ماض وحان وقت الظهيرة، فصفق بجناحيه ثنتين، وصرخ صرختين، واقتدى به المؤذنون، وتجمهر المؤذنون، حتى إذا قضيت الصلاة استصرخهم فأصرخوه، وتواثبت إليه السادة والوجوه، فقال لهم الديك أيها السادة الملوك، فيكم الشاب متع بالشباب، والأشيب نور شيبه مع الكواعب والأتراب؛ وقد صحبتكم مدة، وسبحت الله تعالى على رؤوسكم مراراً عدة، أوقظكم بالأسحار، وأؤذن بالليل والنهار؛ وقد أحسنت لدجاجكم سفاداً، وربيت لكم من الفراريج أعداداً؛ فالآن حين بلي في خدمتكم تاجي، أنعى إلى دجاجي، وتنحى الشفرة على أوداجي - ! وحين أدركني الشيخ، يمزق لحمي ويطبخ - يا للكرام، من ذل هذا المقام! وجعلت دموعه تسفح من دمه، والحزن يطبق على فمه؛ ثم غشي عليه، فاجتمعت البداوة من كل ناحية إليه، يضربون وجهه بالماء، ويخلصون له في الدعاء؛ ثم أفاق من غشيته وأنشد: علام يقتل شيخ ... من كل ذنب بري - محقق متحر ... موحد سني هل نص هذا كتاب ... أو قال هذا نبي لا ذنب لي غير أني ... مؤذن بدوي فرقت له أنفس القوم، وأقبلوا على صاحب المنزل باللوم، فقال: ويحكم، إن هذا الديك ذو فخذٍ وصدرة، وقد أصابتني عليه ضجرة؛ ولي في ذبحه سر، ولابد أن تزين به قدر، وتضرم تحته النيران، ويشبع من لحمه الضيفان ؛ أما ترونه قرة العين والقلوب، سبيكة لجين محكمة التذهيب - وتمثل: ومن شيمتي مهما تزين منزلي ... بضيف أن أقريه بأحسن ما عندي لو إن دمي خمر لرويته به ... ولو صلحت كبدي شويت له كبدي بذلك أوصاني أبي مذ عقلته ... وقد كان أوصاه بذا قبله جدي فقال الديك: لا أكذب، الحق طريق مستبين، واتباعه مروءة ودين؛ أما إنه لعلى خلق عظيم، كريم ابن كريم؛ غير أنه لؤم في أمري وأفرط، وغلط ما شاء أن يغلط. أما علم أن هرمات الديوك، ليست من مطاعم الملوك، وأنها بالأدوية، أشبه منها بالأغذية - وأقسم لو اتخذ برمة من فؤاد مهجور، ووضعني من مثله على تنور، لا قضى بي حاجة، ولا عدم مني نيوءاً وفجاجة ؛ وإن له في بني ما لا يجده في، من طيب الشيم، ولذة المطعم، والتوليد لأحمر ما يكون من الدم. وأنى كالفروج اسفيدباجا ، لمن أراد أن يعدل مزاجاً - فزكى قوله، كل من حوله، لم يألوه تعظيماً، واتخذوه من ذلك اليوم حكيماً، وصرف البدوي من ألطافه، ما أحسن به قرى أضيافه؛ وختم نوبة بره، بالرغبة في بسط عذره، فسمعنا منه، ورحلنا سحراً عنه. وفي فصل منها: ولم تزل الجياد تمعج بكماتها، والشمس تنتقل في درجاتها؛ حتى أشرفنا على عين كالدينار، كأنما هندست بالبركار، ذات ماء ريان من الشنب والخصر، وحصباء كالأسنان ذوات الأشر؛ وقد حف بها النبات حفيف الشارب بفم الأمرد، وتزينت بخضرة كالمرآة الصقيلة طوقت بالزبرجد. ومنها: فأصغيت فإذا بصوت ناقوس، في دير قسيس؛ وقرية آنة، كلها حانة؛ دار البطاريق، وملعب الكاس والإبريق؛ سائمتها الخنازير، وحياضها المعاصير، ومياهها الأنبذة والخمور؛ وشكلها مثلث مسطوح، هندسته حواريو المسيح؛ نباتها غصون من قدود، تهتز في أوراق من برود، وتثمر رماناً من نهود، وتفاحاً من خدود، وعقارب من أصداغ، وافاعي من أسورة وعقود؛ وفيها مدام من رضاب، وسقاة من كواعب أتراب، وغيد لمهوى قرط، وارتجاج لكثيب في مرط؛ وجولان لنطاق، وغصص لخلخال في ساق، وخنث في ألفاظ، ومواعيد بألحاظ، وقلوب تكلف وتشغف، ونفوس تنشأ وأخرى تتلف. فلما أكثر محدثنا بحضرة الفقيه، من هذا التشبيه، ومن هذه المحاسن، المحركات لكثير من السواكن، قطبنا له وجوه الاستكراه، وعضضنا له على الشفاه. فبينا نحن كذلك نكثر لغطاً، ونرى الحلول بالمسيحيين غلطاً، إذ نظرنا إلى اطراد صفوف، من أعطاف خنثة وخصور هيف، وشموس وأقمار، على أفلاك جيوب وأزرار؛ لا سيوف إلا من مقل، ولا درق إلا من خجل، ولا عارض إلا من خلوق، ولا صناعة غير تخليق، ولا اسم غير عاشق ومعشوق؛ فتشفع القسيس بحسن خدودهم، وأقسم بنعمة قدودهم، إلا جزلتم المنة، وثنيتم الأعنة، تعريجاً إلينا، وتحكماً في المال والولد علينا. فكرمت الشفاعة، وقلنا السمع والطاعة، وجلنا جولان الزنابير، على هيف الخصور، نفص بما بقي من الطريق، غص الدماليج بخدال السوق، حتى وافينا الباب، وأنحنا الركاب، وتولى تولي الحر، ضروباً من البر، غير أنه قنع بالدن وجه مدامه، تقنع الورد بأكمامه، وقضانا من الإكرام نافلة وفرضاً، وشددنا الجياد عنه ركضاً، وسرنا حتى رفع لنا في طريقنا جدر، فإذا كنيسة عارية الأطلال من الجمال، إلا تعلة المتوسم ، للتخيل والتوهم، كالثوب الكريم أخلقه ابتذاله، أو كخد الأمرد تغشاه سباله، فهيج ذكراً، وأجد فكراً، فأنشدت: وكنيسة أخذ البلى منها كما ... أبصرت فيثاً في مغار ينهب نمت علينا في السفارة نفحة ... من ماء كرم كان فيها يسكب أهوى إليها بالمطي تخيل ... منا بريء والأماني تكذب فتواقف الركبان في عرصاتها ... كل بها متحير متعجب أنى تأتت لابن آدم قدرة ... حتى استقام وتم ذاك المنصب ومن أي أرض كان رائع مرمرٍ ... كسواعد الغزلان فيها يجلب كم صاد إبليس بها من تائب ... بحبائل ألقى بهن ترهب وكم ابتنى القسيس فيها منبراً ... من جؤذر وبدا عليه يخطب سقياً لها من دار غي لم يزل ... فيها كريم بالملاح معذب كلاً وما زالت نجوم مدامة ... فيها بأفواه الندامى تغرب بئس المصلى إن أردت تعبداً ... فيه ولكن كان نعم المشرب ثم أغذذنا سيراً، وكأننا ننفر طيراً؛ حتى نظرنا من السائمة تسرح في مروجها، كالعذارى تميس في دبابيجها؛ كلأ نضير، وماء نمير؛ وما زلت أروى هناك بالرائب والميس ، حتى كاد كياني ينقلب إلى كيان التيس. ثم رحلنا وتذكرنا الطراد، فمشت الجياد، وتواثبت آساد، واستعد بباز وكلاب، فإذا بحر من برك، يخرقه سفين من برك ، وفي السيور صقور إذا نظرت، وليوث إذا جردت، تنظر من أمثال الدنانير، وتتخطف بأشباه المرهفة الذكور، فأرسلناها إرسال سهام الأحداق، إلى قلوب العشاق، فلم نر إلا ريشاً محلوجاً، ومنسراً يحسن توديجاً ؛ ووردنا ماء في رقة النسيم، ولذاذة بنت الكروم، فشربنا وطعمنا، وقرينا سباع الفلاة، مما فضل عن الكماة؛ ونقشت على مرمرة بيضاء، ساعة وردنا ذلك الماء: يا رب ماء عازب مجه ... مزن هزيم الودق في سبسب زبرجد جلله مكثه ... غشاء ديباج من الطحلب إن كان فيما قد مضى مورداً ... فللعطاش الأسد والأذؤب باكرته مع كل ذي همة ... لا يرتضي الأفلاك عن مركب ولغط الطير بأرجائه ... كلغط الصبية في المكتب فانقض من أيماننا كوكب ... ذو ناظر أنور من كوكب مكحل الآماق ذو منسر ... يسترزق الرحمن من مخلب فاستشعر الطير هروباً وهل ... عن نازل المقدور من مهرب فصاد ما أوسع صحبي قرى ... وفاض في الأبعد والأقرب صيد لعمري لم يعبه سوى ... أن لم يكن نقلاً على مشرب ثم لم نزل نسري سرى النجوم في الدياجي ، إذ تلقانا شاب كما ذهب عقيق خديه، ونم شاربه بالتذكير عليه، متقلد حسام كأنما طبع من لحظه لا من لفظه، على جواد ظمآن الأسافل كخصريه، ريان الأعالي كردفيه؛ تستعيذ عيون البررة من النظر إليه، وتزدحم أطماع الفجرة حواليه: ذو مقلة شهلاء رومية ... وذو لسان عربي مبين قلت وقد عيب بتثليثه ... مقال ذي رأي وعقل رصين طلعته الدنيا و[يا] قلما ... يجمع للإنسان دنياً ودين فلما بلغنا، قبل عرف جواده، وعبراته تنسكب على نجاده. قلنا: ما لك لا أبالك - فقال: منفلت من السجن، وآبق من أهل الحصن، وعائذ من ظلمات الغواية، بنور الهداية، ومن ذل عبادة الأوثان، إلى عز عبادة الرحمن؛ ولي خبر أريد أن أقصه، ويمتن الفقيه وفقه الله أن يسمع نصه. فخرج إليه الإذن، وقيل له أدن؛ فقضى فرض التحية ونافلتها، ثم قال: أيها الفقيه، للأشياء غايات تنتهي إليها، ومقادير تجري عليها، أما والخلاق العليم، والفاطر الحكيم، الذي أسعد قوماً بالهداية وأثابهم عليها، وأشقى آخرين بالضلالة وعذبهم بها، لقد أنحلتني عبادة الطواغيت فعبدت الصليب وقرعت الناقوس، وفعلت كل ما قرت به عين إبليس؛ قدر لم يكن ليخطئني ولا يتخطاني، إلى أن استنقذني ربي وهداني؛ وأنا أشهد أيها الأشهاد أن الله إله واحد، ليس له ولد ولا والد، كان ولم تكن الأكوان: لا أرض ولا ماء ولا دخان، مخترع الكل ومنشئه، ومعبده ومبدئه، له المثل الأعلى، والأسماء الحسنى. ومما وجدت له من المدائح في المعتصم بن صمادح له من قصيدة : لما دعتك المكرمات أجبتها ... لا وانياً عنها ولا متثاقلا فهززت من أسد الرجال قوادماً ... وهتكت من برد الظلام حبائلا وسريت في القمر المنير بمثله ... وجهاً وأعراقاً زكت وشمائلا ومنها في اجتماعه بصهره ابن مجاهد: أبدى علي فرحة بمحمد ... أبدت مسالك في الصفاء جلائلا فلئن غدا بك للقلوب مباهياً ... فلقد رأى ملكاً أغر حلاحلا سبط اليدين كأن كل غمامة ... قد ركبت في راحتيه أناملا وأما وحقك إنه الحق الذي ... بذ الحقوق مسامياً ومساجلا لقد احتملنا في مغيبك لاعجاً ... أنحى على كبد وأثقل كاهلا ومنها: تفديك أنفسنا التي ألبستها ... حللا من النعمى وكن عواطلا كانت نواك البحر يزجر موجه ... فالآن صار لنا إيابك ساحلا لا عيش إلا حيث أنت وإنما ... تمضي ليالي العمر بعدك باطلا لا عطلت منك الحياة فإنها ... لولاك ما سرت لبيباً عاقلا وله من أخرى: سقى كل غيث صادق البرق وابل ... منابت نوار الربى والخمائل فروى غصوناً كالقدود تطلعت ... من أوراقها في مثل خضر الغلائل خليلي عوجا بي على الربع دارساً ... نحي رياضاً أحدقت بجداول ملاعب كاسات ونزهة أعين ... ومسلى لمشتاق وذكرى لغافل وأحسن من روض تحلى بنوره ... محيا ابن معن في حلي الفضائل جواد كأن الأرض جمعاء راحة ... له وبحور الأرض خمس أنامل ليهن تجيباً أنها عندما اغتدت ... قبيلاً له سادت جميع القبائل تكسد سوق الدر فيك قصائدي ... وتزري بعرف المسك عنك رسائلي جللت فجل القول فيك وإنما ... يقد لقدر السيف قدر الحمائل يزين شعري أنه فيك سائر ... وزين عنان الطرف يمنى المجاول وله من أخرى وكان المعتصم قد هجر النبيذ زمناً: عسى دهرنا أن يكف الخطوبا ... ويجعل منك لكأس نصيبا وشت حادثات الليالي بها ... فأعرضت عنها وكانت حبيبا وكم من ذمام لها مثله ... يحل الحقود ويثني القلوبا وأنت ابن معن على خلقةٍ ... تقيل المسيء وتمحو الذنوبا وله في من أخرى: هجر المدام وكان يألف وصلها ... ملك جليل في الملوك عظيم فاصفرت الأقداح من جزع ولو ... يسطعن لم يأرج لهن نسيم وتطلع الساقي يؤمل عودة ... ليعود عهد بالكرام كريم وله من أخرى: لو خيموا بظلال الضال والسمر ... لم أشك من لهب في القلب مستعر لكن مقيلهم المرهوب جانبه ... بين السنور والهندية البتر بحيث لا لبد إلا فوقه لبد ... ترى ولا شارة إلا على شرر واين موقع شكوى الصب من زرد ... ومن حسام ومن ناب ومن ظفر دون الظباء ظباً جد الصليل بها ... والرعد والبرق دون الشمس والقمر وفي الهوادج أبشار كأن لها ... وجوه جدوى أبي يحيى على البشر ملك له سير في الملك فاضلة ... أعيت على كتب الأخبار والسير إذا أنامله ضمت على قلم ... يود منهرقه لو قد من بصر وقال من أخرى: ومما شجاني في الغصون حمائم ... تجاوب في جنح الظلام حمائما يرجعن ألحاناً لهن شواجياً ... فيرسلن أسراب الدموع سواجما سقى الله أيكاً ما يزال حمامه ... يهيج مشتاقاً ويسعد هائما وكم ليلة للدهر باهيت نجمها ... بنجم من الصهباء يجلو الغوائما إلى أن رأيت الشمس في الأفق طالعاً ... كوجه ابن معن إذ يجلي المواسما أمعتصماً بالله لقيت عصمة ... كما لم تزل من حادث الدهر عاصما لك المثل الأعلى إذا ذكر الندى ... ودع هرماً فيما سمعت وحاتما وله أيضاً: الخمر موصوفة بالمجد والشرف ... تعوض الخلف الباقي عن السلف انظر وبارك على حاس ومعتصر ... ماذا تولد بين القار والخزف كأنما كأسها نجم على فلق ... وريحها نفس في روضة أنف ألقيت في دنها الدنيا بأجمعها ... فليس عن صرفها قلبي بمنصرف ولا الأمير أبو يحيى بمنتقل ... عن عادة البر والإجمال واللطف تخالف الناس حتى في معارفهم ... وليس في خلقه خلق بمختلف كمنت في الكون حتى لحت منه لنا ... فرد الجمال كمون الدر في الصدف فالدهر تحت صباح غير ملتبس ... وتحت نير سعد غير منكسف والطول منك به صفو بلا كدر ... والحكم منك به عدل بلا جنف مكارم لم تزل تجري لغايتها ... كالسهم سدده الرامي إلى الهدف وقال أيضاً: فشربتها كلف الفؤاد عميدا ... راحا وكانت مرة عنقودا ختمت بطينتها وزمزم حولها ... قس وغادر بابها مسدودا وتنوسيت فكأن صف دنانها ... في الحان أصحاب الرقيم رقودا وكأنما الخمار كلبهم وقد ... ألقى ذراعيه وسد وصيدا وكأن ذا القرنين أفرغ دونها ... سدا جرى قطرا وسال حديدا صهباء ألبسها التورد مجسدا ... عجبا وقلدها الحباب عقودا فإذا شممت فمسكة مفتوقة ... وإذا لحظت فبارقا معقودا وإذا طعمت فريق أشنب واضح ... شف المشوق تجنبا وصدودا حذيت على خلق ابن معن فاغتدت ... أملا وكنزا للسرور عتيدا أخبرني الفقيه أبو بكر ابن الوزير الفقيه أبي محمد العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال: كان الوزير أبو حفص عمر بن الشهيد كثير الشعر، متصرفا في القول، مقدما عند أمراء بلده، وشاهدته في حدود الأربعين وأربعمائة بالمرية، وكتبت من أشعاره طرفا، ومن شعره مما كتبته : في صحبة الناس في ذا الدهر معتبر ... لا عين يؤثر منها لا ولا أثر ليست تشيخ ولا يزري بها هرم ... لكنها في شباب السن تختضر إذا حبت بينهم أطفال ودهم ... لم يترك البغي حابيهن يثغر كأنها شرر سام على لهب ... يغدو الخمود عليه حين ينتشر كأن ميثاقهم ميثاق غانية ... يعطيك منها الرضى ما يسلب الضجر فلا يغرنك من قول طلاوته ... فإنما هي نوار ولا ثمر لو ينفق الناس مما في قلوبهم ... في سوق دعواهم للصدق ما تجروا لكن فيها نقود القول جارية ... على مقادير ما يقضى به وطر يقضي المحنك أو يقضى لحنكته ... وبين ذاك وهذا ينفد العمر تسابق الناس إعجابا بأنفسهم ... إلى مدى دونه الغايات تنحسر فللتسامي ضباب في صدورهم ... وللتكبير في آنافهم نعر وما عذلتهم لكن عذرتهم ... فالجهل ليس له سمع ولا بصر وبالسند المذكور عن الحميدي، قال: ومما كتبت له أيضاً: تعلم لحظك سفك الدماء وأنت تعلمت ألا تدي وليتك إذ كنت لي ممرضا ... رثيت فزرت مع العود حنانيك إن هلاك العبي ... د مما يعود على السيد وما بي نفسي ولكنني ... أشح بمثلك أن يعتدي قال أيضاً : يا قوم شدوا المطي واسروا ... فإن روحي بأرض قوم نام الخليون واستراحوا ... ومن لعين الشجي بنوم عمر بن الشهيد التجيبي أبو حفص لا أحفظ اسم أبيه، وهذه صفة نسب إليها فغلبت عليه، وهو رئيس شاعر مشهور بالأدب كثير الشعر، متصوف في القول، مقدم عند أمراء بلده، وقد شاهدته في حدود الأربعين وأربعمائة بالمرية، وكتبت من أشعاره طرفاً ومنه: في صحبة الناس في ذا الدهر معتبر ... لا عين تونق منها لا ولا أثر ليست تشيخ ولا يؤدى بها هرم ... لكنها في شباب السن تحتضر إذا حبت بينهم أطفال ودهم ... لم يترك البغي حابيهن يتغر كأنها شرر سام على لهب ... يعدو الحمود عليها حين ينتشر كان ميثاقهم ميثاق غانية ... تعطيك منه الرضى ما يسلب الضجر فلا يغرنك من قول طلاوته ... فإنما هي نوار ولا ثمر لو ينفق الناس مما في قلوبهم ... في سوق دعواهم للصدق ما تجروا لكنهن نقود القول جارية ... على مقادير ما يقضى به الوطر يغضى المحنك أو يغضى لحنكته ... وبين ذاك وهذا ينفذ العمر تسابق الناس إعجاباً بأنفسهم ... إلى مدى دونه الغايات تنحسر فللتسامي ضباب في صدورهم ... وللتكبر في آنافهم نعر وما عذلتهم إلا عذرتهم ... فالجهل ليس له سمع ولا بصر وله: تعلم لحظك سفك الدماء ... وأنت تعلمت أن لا تدى فليتك إذ كنت لي ممرضا ... رثيت فررت مع العود حنانيك إن هلاك العبي ... د مما يعود على السيد وما بي نفسي ولكنني ... أشح بمثلك أن يعتدى أبو حفص بن الشهيد من المسهب: شاعر المرية في زمانه ،وكان مقتصرا على ملك بلده المعتصم بن صمادح . ومن الذخيرة كان فارس النظم والنثر وأعجوبة القران والعصر وشاهدته في حدود الأربعين وأربعمائة بالمرية ومن نظمه قوله في المعتصم ** وسبط اليدين كأن كل غمامة ** قد ركبت في راحتيه أناملا ** ** لا عيش إلا حيث كنت وإنما ** تمضي ليالي العمر بعدك باطلا ** ** تفديك أنفسنا التي ألبستها ** حللا من النعمى وكن عواطلا ** ____________________ وقوله ** تكسد سوق الدر فيك قصائدي ** وتزرى بعرف المسك غر رسائلي ** ** جللت فجل القول فيك وإنما ** يعد لقدر السيف قدر الحمائل **
…
مصادر :
الذخيرة في محاسن أهـل الجزيرة،ابن بسام، تحقيق إحسان عباس،ط بيروت 1979،المجـ 1 صفحة 670-691
المجال الزمني
ولد :
كان حيا :
كان حيا ق :
كان حيا ب :
توفي :
توفي قبل :
توفي بعد :
440
عصره :
484 - 422 الطوائف
عاصر :
المجال الجغرافي
أصله من :
ولد في :
نشأ في :
سكن :
توفي ب :
دفن ب :
رحل إلى :
المجال المهني
مهنه :
وزير
نص المهن :
كان الوزير أبو حفص عمر بن الشهيد كثير الشعر، متصرفا في القول
المجال المعرفي
مروياته :
تراثه :
تخصصاته :
كان الوزير أبو حفص عمر بن الشهيد كثير الشعر، متصرفا في القول
قائمة التخصصات :
أديب
شاعر
المذهب والعقيدة
نص المذهب :
مذهب :
نص العقيدة :
عقيدة :
المدارسة
شيوخه :
...
تلاميذه :
...
فكرة وتحليل وإشراف على جمع المعطيات : مصطفى بنسباع - تصميم قاعدة البيانات والبرمجة : المهدي الشعشوع