عمر بن الحسن بن عبد الرحمان بن عمر بن عبد الله بن أبي سعيد،
|
|
|
الكتاب
|
|
العنوان
:
|
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، تحقيق د. إحسان عباس، القسم الثاني المجلد الأول، دار الثقافة 1997.
|
|
|
الترجمة
|
|
الاسم
:
|
عمر بن الحسن بن عبد الرحمان بن عمر بن عبد الله بن أبي سعيد،
|
|
الكنية
:
|
|
|
اللقب
:
|
|
|
عرقه
:
|
|
|
الترجمة
:
|
0
|
|
النص
:
|
أبو حفص عمر بن الحسن بن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الله أبي سعيد الداخل بجزيرة الأندلس، وهو كان صاحب صلاة الجماعة بقرطبة على عهد عبد الرحمن بن معاوية وهشام الرضي ابنه. وهوزن الذي نسب إليه، وغلب اسمه عليه، بطن من ذي الكلاع الأصغر.
وأفضى أمر إشبيلية إلى عباد، حسبما تقدم به الإيراد، وأبو حفص يومئذ ذات نفسها، وإياة شمسها، وناجذها الذي عنه تبتسم، وواحدها الذي بيده ينقض ويبرم. وكان بينه وبين عباد قبل إفضاء الأمر إليه، ومدار الرياسة عليه، إئتلاف الفرقدين، وتضافر اليدين، واصتال الأذن بالعين. ولما ثبتت قدم المعتضد في الرياسة، ودفع إلى التدبير والسياسة، أوجس منه ذعراً، وضاق بمكانه من الحضرة صدراً، وأحس بها أبو حفص وكان ألمعياً، وذكياً لوذعياً، لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة سنة أربعين وأربعمائة، فصادف غرته، وكفي إلى حينٍ معرته، واحتل صقلية تضيق عن فخره الآفاق، وتهادى عجائب ذكره الشام والعراق، ثم رحل إلى مصر وله هنالك صوت بعيد، ومقام محمود، ووصل إلى مكة، وروى في طريقه كتاب الترمذي في الحديث وعنه أخذه أهل المغرب، ثم رجع إلى الأندلس واستأذن المعتضد في سكنى مرسية: رأياً رآه، وبلداً اختاره وتوخاه، وأميرها يومئذ ابن طاهر؛ فلما غلب الروم على مدينة بربشتر سنة ست وخمسين، وقرف الندب، وتفاقم الخطب، وضاق عن ساكنه الشرق والغرب، خاطب المعتضد برقعة يحضه فيها على الجهاد، ويستشيره إلى أين ينتقل من البلاد، فراجعه برسالة من إنشاء الوزير الكاتب أبي الوليد ابن المعلم، وهي ثابتة في أخباره من هذا القسم، يشير عليه فيها بالرجوع إلى بلداه، لا بل استدرجه إلى ملحده، فأذهله عما كان استشعر، وأنساه ما كان حذر، أجل قريب، وحمام مكتوب، ومصرع، لم يكن عنه مدفع؛ فاستقر بإشبيلية سنة ثمان وخمسين، ولقيه المعتضد فأعلى المحل، وفوض إليه في الكثر والقل، وعول عليه في العقد والحل. فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة لربيع الأول سنة ستين أحضره القصر، وقد غلب - زعموا - عليه السكر، وأمر خادمين من فتيانه بقتله، فكلاهما أشفق من سوء فعله، وفر، لا يبالي سيء عباد أو سر، فقام إليه هو بنفسه وباشر قتله بيده، فلم ينل عباد بعده سولاً، ولا متع بدنياه إلا قليلاً، وإلى الله الإياب، وعليه الحساب.
فصل من رقعة كان خاطب بها المعتضد من مرسية واستفتحها بهذه الأبيات:
أعباد جل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يتوقع
فلق كتابي من فراغك ساعةً ... وإن طال فالموصوف للطول موضع
إذا لم أبث الداء رب دوائه ... أضعت وأهل للملام المضيع
وفي فصل منها: وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما غير لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الوليد والوالد ، تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى، فلا أيمة إذا لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال في قيد الأسرى، بل تعم الجميع جما جما، فلا تخص، وتزدلف إليهم قدماً قدماً، فلا تنكص، طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانقضاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض.
وفي فصل منها: كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعدٍ صادق من الصرف والكشف، وأنى لمثلها بالدفاع عن الحريم، ولما نمتثل أدب العزيز الحكيم في قوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} (البقرة: 251) وقوله تعالى: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره} (الحج: 40) ومن أين لنا دفعهم بالكفاية أو كيف، ولم نمتط إليهم الخوف، ونساجلهم السيف، بل لما يرأب من صدوعهم ثلم، ولا دووي من جراحهم كلم، ولا رد في نحورهم سهم، إن حاربوا موضعاً أرسلناه، أو انتسفوا قطراً سوغناه، وإن هذا لأمر له ما بعده، إلا أن يسني الله على يديك دفعه وصده:
فكم مثلها جأواء نهنهت فانثنت ... وناظرها من شدة النقع أرمد
فمرت تنادي الويل للقادح الصفا ... لبعض القلوب الصخر أو هي أجلد
وألقت ثناءً كاللطائم نشره ... تبيد الليالي وهو غض يجدد وفي فصل منها: والحرب في إجتلائها حسناء عروس تطبي الأغمار بزتها، وفي بنائها شمطاء عبوس تختلي الأعمار غرتها، فالأقل للهبها وارد، والأكثر عن شهبها حائد، فأخلق بمحيدٍ عن مكانها، وعزلةٍ في ميدانها، فوقودها شكة السلاح، وفرندها مساقط الأشباح، وقتارها متصاعد الأرواح، فإن عسعس ليلها مدةً من الانصارم، أو انبجس وبلها ساعةً لانسجام، فيومها غسق يرد الطرف كليلاً، ونبلها صيب يزيد الجوف غليلاً:
أعباد ضاق الذرع واتسع الخرق ... ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق
ودونك قولاً طال وهو مقصر ... فللعين معنىً لا يعبره النطق
[18ب] إليك انتهت آمالنا فارم ما دهى ... بعزمك، يدمغ هامة الباطل الحق وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجى الدليل من ناط الأمور بأربابها، ولرب أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبق مضاربها فكأن قد أمكنك الحز، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب، فالسهام تطيش فتختلف، والرماح تلين وتنقصف، فإن جعجعت أيها الساعي المخب في بغاء الفرج، وتحققت بالحث على جلاء تلك اللجج، ووجدت في فتح ذلك الباب المرتج:
فنادٍ: أعباد ذا عائذ ... وقدك، على حينها تنصرم
تجبك أسود على ضمرٍ ... معودة ما بغت أن يتم
كأن المقادير حزب له ... فيمضي على رأيه ما حكم
سقته الحمية جريالها ... وصحت مناقبه في الكرم
فصاب لأعدائه ممقر ... وغيث لراجيه حلو الديم
كنوه بما مد في عمره ... وكان نحور العدا يخترم
تقيدنا حر أفعاله ... وكنيته تقتضي ما رسم
فمن ذين تفريع أوصافه ... وبالرمز نعني الذكي الفهم وفي فصل منها: وما زلت أعتدك لمثل هذه الجولة وزراً، وأدخرك في ملمها ملجأ وعصراً، لدلائل أوضحت فيك الغيب، وشواهد رفعت من أمرك الريب، فالنهار من الصباح، والنور من المصباح، ولئن كان ليل الفساد مما دهم قد أغدف جلبابه، وصباح الصلاح بما ألم قد قدّ إهابه، فقد كان ظهر قديما من اختلال الأحوال ما أيأس، وتبين من فساد التدبير ما أبلس ، حتى تدارك فتق ذلك سلفك، فرتقه جميل نظرهم ورأبه، وصرفه مشكور أثرهم وشعبه: فعاد الشمل منتظماً هنيا ... وآض الصدع ملتئماً سويا ثم توليت فكفيت، وخلفت فأربيت، وبرعت فأوريت، فالناس مذ بوأتهم رحب جنابك في عطن يربي على لين الدمقس، وتحت منن تعلو على منى النفس، وفي زمان كالربيع اعتدل هواؤه، وتشاكهت أرضه وسماؤه، واخضر بالنبت أديمها فكأنها الرقيع، وتعميم بالنور جميمها فتقول هو الترصيع، ففضلكم في الأعناق أطواق، ومجدكم للآفاق إشراق، وحيثما حللت: الأرض عراق، فأنا أول من هو إلى تلك الحضرة مشتاق، فلا تحرمني وصلاً كنت جاهداً في إنباطه، ولا تصدني عن منهل كنت صدراً في فراطه، فأحق الورى بجزيل تلك الآلاء، وأخلقهم بمنزل تلك السماء، أنصحهم له جيباً، وأصحهم فيه غيباً:
أعباد كلاً قد علوت فضائلاً ... تقاصر عنها كل أروع ماجد
فأولها جود أرانا أكفهم ... جموداً ككف لم تؤيد بساعد
وسعي لما تبغي يخيل سعيهم ... تلاعب ولدان أطافت بوالد
ونصر لمن واليت يردي عدوه ... ردى أهل جو في وقيعة خالد
منعت بني جالوت ما قد أباحهم ... سواك بحربٍ قيدت كل شارد
فمن شاء فلينظر أسوداً بروضةٍ ... تراعي عصا راعٍ وتعنو لرائد
عجائب مجدٍ أعجزت من سواكم ... ومن سرها المشهور صدق المواعد فإن راث أمري فادركني برحلةٍ ... إلى مأمن فالخوف أعجل طارد
وحد مكاناً آته فرضاكم ... هواي وإن أغشى كريه الموارد
فقد جد أمر هد شرع محمدٍ ... وما مخبر عن حالة مثل شاهد
لكل يبين الرأي عند وفاته ... وهل من دواء بعد نهش الأساود
أضاعوا وجوه الحزم يوماً فعزهم ... على أمرهم من ليس عنه بهاجد وفي فصل منها: فالثمرة من ساقها، والجياد على أعراقها، ولئن لذت تلك الثمرة لذائق، وشدخت غرة تلك القرحة لرامق، لما يبين كنه المجتبى قبل تفطر أكمامه، ومما يصحح عتق الجنين قبل أوان فطامه، فلذوي الأبصار أدلة على العتق لائحة، ولأولي الألباب شواهد على الكرم واضحة، وبحق أدركت، فعلى السوابق سلكت، وبمشاعر المعالي نسكت فتنسكت:
" وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل "
" وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل "
وقول رسول الله أعدل شاهد ... فحكمته شرع ومنطقه فصل
يقول: بنو الدنيا معادن، خيرها ... إذا ما زكوا من كان قدماً له الفضل وصلى الله على رسوله فقد نبه بتصحيح، ودل دلالة نصيح، فإن المعادن لا تؤتي غير معهود فلزها، كما لا تصح الدوائر إلا على نقطة مركزها، فمن طلب النبل في غير معادنه، واستثار الخير من غير مكانه، أعجزه من مطلبه مرامه، وطاشت في سهمته أقلامه، بل قد ضل قصد السبيل، واعتسف الفلاة بغير دليل، فسقط العشاء به على سرحان ، وأفضى القضاء به إلى الطوفان، وإنما هو الفجر أو البحر .
ومن شعره أيضاً يحض على الجهاد،
ويستنفر كواف البلاد
قوله:
بيت الثر فلا يستزل ... طرق النوام سمع أزل
فثبوا واخشوشنوا واحزئلوا ... كل ما رزءٍ سوى الدين قل
صرح الشر فلا يستقل ... إن نهلتم جاءكم بعد عل
بدء صعق الأرض نشء وطل ... ورياح ثم غيم أبل قد رجت عاد سحاباً يهل ... فإذا ريح دبور محل
نقبوا فالداء يحل ... واغمدوا سيفاً عليكم يسل ومنها:
يدنا العليا وهم ويك شل ... فلم استرعى الأعز الأذل
عجب الأيام ليث صمل ... ذعرته نعجة إذ تصل
" خبر ما جاءنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل " قوله: " فثبوا واخشوشنوا... " من قول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: " اخشوشنوا واخشوشنوا وعليكم باللبسة المعدية " ؛ وقوله: " بدء صعق الأرض نشء وطل " ... معنى مبتذل، ومنه المثل " السقط يحرق الحرجة " ، وقال الأول:
والشيء تحقره وقد ينمي ... وقال الفرزدق:
قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم وقال نصر بن سيار من أبيات كتب بها لمروان:
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدأها الكلام وقال أبو تمام، وعليه عول الفقيه، ولكنه استحقه بما زاد فيه، وهو:
كم من قليلٍ حدا كثيراً ... كم مطرٍ بدؤه مطير وأخذه أبو عبادة فقال:
وأول الغيث طل ثم ينسكب ... وقال ابن الرومي:
ولا تحقرن سبيباً ... قد قاد خيراً سبيب وقال أبو العلاء، وحرفه إلى بعض الأنحاء، ولكنه إليه أشار، وحواليه دار.
فأول ما يكون الليث شبل ... ومبدأ طلعة البدر الهلال وكان له فيه إلمام، بقول أبي تمام :
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملا وقال العباس بن الأحنف وقصد به قصده، وكان ينفق مما عنده:
الحب أول ما يكون لجاجةً ... تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار وقال الآخر، وكأنه نحا به نحواً غريباً، ولكنه نظر إلى المعنى نظراً مريباً:
فلا تحقرن عدواً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر ومن كلام المحدثين ما أجروه مجرى الأمثال: " رب عشق جني بلفظة، وصبابة غرست من لحظة " . إلى غير ذلك مما لا يحد شهرةً، ولا يحصى كثرةً.
وقال الوزير أبو حفص من جملة قصيدة:
أيا أسفاً للدين إذ ظل نهبةً ... بأعيننا والمسلمون شهود
أفي حرم الرحمن يلحد جهرةً ... ويجعل أشراك الإله يهود
ويثلب بيت الله بين بيوتكم ... وقادره عن رد ذاك قعيد
ويوضع للدجال بيت بمكة ... ويخفى عليكم منزع وقصود
أعيذك أن تدهنوا فيمسكم ... عقاب كما ذاق العذاب ثمود
وأقبح بذكر يستطير لأرضكم ... يؤم به أقصى البلاد وفود
ولا عجب أن جانس الحوض ضفدع ... وقدماً تساوي مطلب وشهود
يقود امرءاً طبع إلى علم شكله ... كما انمازت الأرواح وهي جنود وهذا المصراع الأخير، إلى معنى الحديث يشير: " قلوب المؤمنين أجناد مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " ، وأخذه السحن فقال :
إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف [20أ] وقال الوزير أبو حفص من أخرى:
تبارك من تفرد بالبقاء ... وأسلك خلقه سبل الفناء
وشتت شملهم بعد انتظامٍ ... وكدر وردهم إثر الصفاء
ولم يجر الأمور على قياسٍ ... فليست دارنا دار الجزاء
فتبصر محسناً يجزى بقبح ... وذا ضعةٍ يقاد إلى السناء
وقد كنت اعتلقت اجل ملكٍ ... وأعمهم بنقب أو هناء
ومن يجهد لدنياه حريصاً ... فليس بحائر غير العناء
أبو حفص عمر بن الحسن بن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الله أبي سعيد الداخل بجزيرة الأندلس، وهو كان صاحب صلاة الجماعة بقرطبة على عهد عبد الرحمن بن معاوية وهشام الرضي ابنه. وهوزن الذي نسب إليه، وغلب اسمه عليه، بطن من ذي الكلاع الأصغر.
وأفضى أمر إشبيلية إلى عباد، حسبما تقدم به الإيراد، وأبو حفص يومئذ ذات نفسها، وإياة شمسها، وناجذها الذي عنه تبتسم، وواحدها الذي بيده ينقض ويبرم. وكان بينه وبين عباد قبل إفضاء الأمر إليه، ومدار الرياسة عليه، إئتلاف الفرقدين، وتضافر اليدين، واصتال الأذن بالعين. ولما ثبتت قدم المعتضد في الرياسة، ودفع إلى التدبير والسياسة، أوجس منه ذعراً، وضاق بمكانه من الحضرة صدراً، وأحس بها أبو حفص وكان ألمعياً، وذكياً لوذعياً، لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة سنة أربعين وأربعمائة ، فصادف غرته، وكفي إلى حينٍ معرته، واحتل صقلية تضيق عن فخره الآفاق، وتهادى عجائب ذكره الشام والعراق، ثم رحل إلى مصر وله هنالك صوت بعيد، ومقام محمود، ووصل إلى مكة، وروى في طريقه كتاب الترمذي في الحديث وعنه أخذه أهل المغرب، ثم رجع إلى الأندلس واستأذن المعتضد في سكنى مرسية: رأياً رآه، وبلداً اختاره وتوخاه، وأميرها يومئذ ابن طاهر؛ فلما غلب الروم على مدينة بربشتر سنة ست وخمسين، وقرف الندب، وتفاقم الخطب، وضاق عن ساكنه الشرق والغرب، خاطب المعتضد برقعة يحضه فيها على الجهاد، ويستشيره إلى أين ينتقل من البلاد، فراجعه برسالة من إنشاء الوزير الكاتب أبي الوليد ابن المعلم، وهي ثابتة في أخباره من هذا القسم، يشير عليه فيها بالرجوع إلى بلداه، لا بل استدرجه إلى ملحده، فأذهله عما كان استشعر، وأنساه ما كان حذر، أجل قريب، وحمام مكتوب، ومصرع، لم يكن عنه مدفع؛ فاستقر بإشبيلية سنة ثمان وخمسين، ولقيه المعتضد فأعلى المحل، وفوض إليه في الكثر والقل، وعول عليه في العقد والحل. فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة لربيع الأول سنة ستين أحضره القصر، وقد غلب [18أ] - زعموا - عليه السكر، وأمر خادمين من فتيانه بقتله، فكلاهما أشفق من سوء فعله، وفر، لا يبالي سيء عباد أو سر، فقام إليه هو بنفسه وباشر قتله بيده، فلم ينل عباد بعده سولاً، ولا متع بدنياه إلا قليلاً، وإلى الله الإياب، وعليه الحساب.
فصل من رقعة كان خاطب بها المعتضد من مرسية واستفتحها بهذه الأبيات :
أعباد جل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يتوقع
فلق كتابي من فراغك ساعةً ... وإن طال فالموصوف للطول موضع
إذا لم أبث الداء رب دوائه ... أضعت وأهل للملام المضيع
وفي فصل منها: وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما غير لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الوليد والوالد ، تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى، فلا أيمة إذا لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال في قيد الأسرى، بل تعم الجميع جما جما، فلا تخص، وتزدلف إليهم قدماً قدماً، فلا تنكص، طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانقضاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض.
وفي فصل منها: كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعدٍ صادق من الصرف والكشف، وأنى لمثلها بالدفاع عن الحريم، ولما نمتثل أدب العزيز الحكيم في قوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} (البقرة: 251) وقوله تعالى: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره} (الحج: 40) ومن أين لنا دفعهم بالكفاية أو كيف، ولم نمتط إليهم الخوف، ونساجلهم السيف، بل لما يرأب من صدوعهم ثلم، ولا دووي من جراحهم كلم، ولا رد في نحورهم سهم، إن حاربوا موضعاً أرسلناه، أو انتسفوا قطراً سوغناه، وإن هذا لأمر له ما بعده، إلا أن يسني الله على يديك دفعه وصده:
فكم مثلها جأواء نهنهت فانثنت ... وناظرها من شدة النقع أرمد
فمرت تنادي الويل للقادح الصفا ... لبعض القلوب الصخر أو هي أجلد
وألقت ثناءً كاللطائم نشره ... تبيد الليالي وهو غض يجدد وفي فصل منها: والحرب في إجتلائها حسناء عروس تطبي الأغمار بزتها، وفي بنائها شمطاء عبوس تختلي الأعمار غرتها، فالأقل للهبها وارد، والأكثر عن شهبها حائد، فأخلق بمحيدٍ عن مكانها، وعزلةٍ في ميدانها، فوقودها شكة السلاح، وفرندها مساقط الأشباح، وقتارها متصاعد الأرواح، فإن عسعس ليلها مدةً من الانصارم، أو انبجس وبلها ساعةً لانسجام، فيومها غسق يرد الطرف كليلاً، ونبلها صيب يزيد الجوف غليلاً:
أعباد ضاق الذرع واتسع الخرق ... ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق
ودونك قولاً طال وهو مقصر ... فللعين معنىً لا يعبره النطق
[18ب] إليك انتهت آمالنا فارم ما دهى ... بعزمك، يدمغ هامة الباطل الحق وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجى الدليل من ناط الأمور بأربابها، ولرب أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبق مضاربها فكأن قد أمكنك الحز، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب، فالسهام تطيش فتختلف، والرماح تلين وتنقصف، فإن جعجعت أيها الساعي المخب في بغاء الفرج، وتحققت بالحث على جلاء تلك اللجج، ووجدت في فتح ذلك الباب المرتج:
فنادٍ: أعباد ذا عائذ ... وقدك، على حينها تنصرم
تجبك أسود على ضمرٍ ... معودة ما بغت أن يتم
كأن المقادير حزب له ... فيمضي على رأيه ما حكم
سقته الحمية جريالها ... وصحت مناقبه في الكرم
فصاب لأعدائه ممقر ... وغيث لراجيه حلو الديم
كنوه بما مد في عمره ... وكان نحور العدا يخترم
تقيدنا حر أفعاله ... وكنيته تقتضي ما رسم
فمن ذين تفريع أوصافه ... وبالرمز نعني الذكي الفهم وفي فصل منها: وما زلت أعتدك لمثل هذه الجولة وزراً، وأدخرك في ملمها ملجأ وعصراً، لدلائل أوضحت فيك الغيب، وشواهد رفعت من أمرك الريب، فالنهار من الصباح، والنور من المصباح، ولئن كان ليل الفساد مما دهم قد أغدف جلبابه، وصباح الصلاح بما ألم قد قدّ إهابه، فقد كان ظهر قديما من اختلال الأحوال ما أيأس، وتبين من فساد التدبير ما أبلس ، حتى تدارك فتق ذلك سلفك، فرتقه جميل نظرهم ورأبه، وصرفه مشكور أثرهم وشعبه: فعاد الشمل منتظماً هنيا ... وآض الصدع ملتئماً سويا ثم توليت فكفيت، وخلفت فأربيت، وبرعت فأوريت، فالناس مذ بوأتهم رحب جنابك في عطن يربي على لين الدمقس، وتحت منن تعلو على منى النفس، وفي زمان كالربيع اعتدل هواؤه، وتشاكهت أرضه وسماؤه، واخضر بالنبت أديمها فكأنها الرقيع، وتعميم بالنور جميمها فتقول هو الترصيع، ففضلكم في الأعناق أطواق، ومجدكم للآفاق إشراق، وحيثما حللت: الأرض عراق، فأنا أول من هو إلى تلك الحضرة مشتاق، فلا تحرمني وصلاً كنت جاهداً في إنباطه، ولا تصدني عن منهل كنت صدراً في فراطه، فأحق الورى بجزيل تلك الآلاء، وأخلقهم بمنزل تلك السماء، أنصحهم له جيباً، وأصحهم فيه غيباً:
أعباد كلاً قد علوت فضائلاً ... تقاصر عنها كل أروع ماجد
فأولها جود أرانا أكفهم ... جموداً ككف لم تؤيد بساعد
وسعي لما تبغي يخيل سعيهم ... تلاعب ولدان أطافت بوالد
ونصر لمن واليت يردي عدوه ... ردى أهل جو في وقيعة خالد
[19أ] منعت بني جالوت ما قد أباحهم ... سواك بحربٍ قيدت كل شارد
فمن شاء فلينظر أسوداً بروضةٍ ... تراعي عصا راعٍ وتعنو لرائد
عجائب مجدٍ أعجزت من سواكم ... ومن سرها المشهور صدق المواعد فإن راث أمري فادركني برحلةٍ ... إلى مأمن فالخوف أعجل طارد
وحد مكاناً آته فرضاكم ... هواي وإن أغشى كريه الموارد
فقد جد أمر هد شرع محمدٍ ... وما مخبر عن حالة مثل شاهد
لكل يبين الرأي عند وفاته ... وهل من دواء بعد نهش الأساود
أضاعوا وجوه الحزم يوماً فعزهم ... على أمرهم من ليس عنه بهاجد وفي فصل منها: فالثمرة من ساقها، والجياد على أعراقها، ولئن لذت تلك الثمرة لذائق، وشدخت غرة تلك القرحة لرامق، لما يبين كنه المجتبى قبل تفطر أكمامه، ومما يصحح عتق الجنين قبل أوان فطامه، فلذوي الأبصار أدلة على العتق لائحة، ولأولي الألباب شواهد على الكرم واضحة، وبحق أدركت، فعلى السوابق سلكت، وبمشاعر المعالي نسكت فتنسكت:
" وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل "
" وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل "
وقول رسول الله أعدل شاهد ... فحكمته شرع ومنطقه فصل
يقول: بنو الدنيا معادن، خيرها ... إذا ما زكوا من كان قدماً له الفضل وصلى الله على رسوله فقد نبه بتصحيح، ودل دلالة نصيح، فإن المعادن لا تؤتي غير معهود فلزها، كما لا تصح الدوائر إلا على نقطة مركزها، فمن طلب النبل في غير معادنه، واستثار الخير من غير مكانه، أعجزه من مطلبه مرامه، وطاشت في سهمته أقلامه، بل قد ضل قصد السبيل، واعتسف الفلاة بغير دليل، فسقط العشاء به على سرحان ، وأفضى القضاء به إلى الطوفان، وإنما هو الفجر أو البحر .
ومن شعره أيضاً يحض على الجهاد،
ويستنفر كواف البلاد
قوله:
بيت الثر فلا يستزل ... طرق النوام سمع أزل
فثبوا واخشوشنوا واحزئلوا ... كل ما رزءٍ سوى الدين قل
صرح الشر فلا يستقل ... إن نهلتم جاءكم بعد عل
بدء صعق الأرض نشء وطل ... ورياح ثم غيم أبل قد رجت عاد سحاباً يهل ... فإذا ريح دبور محل
نقبوا فالداء يحل ... واغمدوا سيفاً عليكم يسل ومنها:
يدنا العليا وهم ويك شل ... فلم استرعى الأعز الأذل
عجب الأيام ليث صمل ... ذعرته نعجة إذ تصل
" خبر ما جاءنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل " قوله: " فثبوا واخشوشنوا... " من قول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: " اخشوشنوا واخشوشنوا وعليكم باللبسة المعدية " ؛ وقوله: " بدء صعق الأرض نشء وطل " ... معنى مبتذل، ومنه المثل " السقط يحرق الحرجة " ، وقال الأول:
والشيء تحقره وقد ينمي ... وقال الفرزدق :
قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم [19ب] وقال نصر بن سيار من أبيات كتب بها لمروان:
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدأها الكلام وقال أبو تمام، وعليه عول الفقيه، ولكنه استحقه بما زاد فيه، وهو :
كم من قليلٍ حدا كثيراً ... كم مطرٍ بدؤه مطير وأخذه أبو عبادة فقال:
وأول الغيث طل ثم ينسكب ... وقال ابن الرومي :
ولا تحقرن سبيباً ... قد قاد خيراً سبيب وقال أبو العلاء، وحرفه إلى بعض الأنحاء، ولكنه إليه أشار، وحواليه دار .
فأول ما يكون الليث شبل ... ومبدأ طلعة البدر الهلال وكان له فيه إلمام، بقول أبي تمام :
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملا وقال العباس بن الأحنف وقصد به قصده، وكان ينفق مما عنده :
الحب أول ما يكون لجاجةً ... تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار وقال الآخر، وكأنه نحا به نحواً غريباً، ولكنه نظر إلى المعنى نظراً مريباً:
فلا تحقرن عدواً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر ومن كلام المحدثين ما أجروه مجرى الأمثال: " رب عشق جني بلفظة، وصبابة غرست من لحظة " . إلى غير ذلك مما لا يحد شهرةً، ولا يحصى كثرةً.
وقال الوزير أبو حفص من جملة قصيدة:
أيا أسفاً للدين إذ ظل نهبةً ... بأعيننا والمسلمون شهود
أفي حرم الرحمن يلحد جهرةً ... ويجعل أشراك الإله يهود
ويثلب بيت الله بين بيوتكم ... وقادره عن رد ذاك قعيد
ويوضع للدجال بيت بمكة ... ويخفى عليكم منزع وقصود
أعيذك أن تدهنوا فيمسكم ... عقاب كما ذاق العذاب ثمود
وأقبح بذكر يستطير لأرضكم ... يؤم به أقصى البلاد وفود
ولا عجب أن جانس الحوض ضفدع ... وقدماً تساوي مطلب وشهود
يقود امرءاً طبع إلى علم شكله ... كما انمازت الأرواح وهي جنود وهذا المصراع الأخير، إلى معنى الحديث يشير: " قلوب المؤمنين أجناد مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " ، وأخذه السحن فقال :
إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف [20أ] وقال الوزير أبو حفص من أخرى:
تبارك من تفرد بالبقاء ... وأسلك خلقه سبل الفناء
وشتت شملهم بعد انتظامٍ ... وكدر وردهم إثر الصفاء
ولم يجر الأمور على قياسٍ ... فليست دارنا دار الجزاء
فتبصر محسناً يجزى بقبح ... وذا ضعةٍ يقاد إلى السناء
وقد كنت اعتلقت اجل ملكٍ ... وأعمهم بنقب أو هناء
ومن يجهد لدنياه حريصاً ... فليس بحائر غير العناء
ومن يثق الزمان يجده خباً ... ويصرعه على حين الرجاء
إذا كان الدواء به اعتلالي ... فأي الخلق أرجو للشفاء وهذا كبيت عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري وأرى الوزير أبا حفص إنما عول فيه قول أبي بكر رضي الله عنه وقد قيل له: لو سلنا لك الطبيب، فقال: "الطبيب أعلني". …
|
|
مصادر
:
|
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، تحقيق د. إحسان عباس، القسم الثاني المجلد الأول، دار الثقافة
|
|
|
المجال الزمني
|
|
ولد
:
|
|
|
كان حيا
:
|
|
|
كان حيا ق
:
|
|
|
كان حيا ب
:
|
|
|
توفي
:
|
460
|
|
توفي قبل
:
|
|
|
توفي بعد
:
|
|
|
عصره
:
|
484 - 422 الطوائف
|
|
عاصر
:
|
عهد عبد الرحمن بن معاوية وهشام الرضي ابنه.
|
|
|
المجال الجغرافي
|
|
أصله من
:
|
|
|
ولد في
:
|
|
|
نشأ في
:
|
|
|
سكن
:
|
مرسية
|
|
توفي ب
:
|
|
|
دفن ب
:
|
|
|
رحل إلى
:
|
المشرق
|
|
|
المجال المهني
|
|
مهنه
:
|
|
|
نص المهن
:
|
كان صاحب صلاة الجماعة بقرطبة على عهد عبد الرحمن بن معاوية وهشام الرضي ابنه.
|
|
|
المجال المعرفي
|
|
مروياته
:
|
|
|
تراثه
:
|
|
|
تخصصاته
:
|
|
|
قائمة
التخصصات
:
|
|
|
|
المذهب والعقيدة
|
|
نص المذهب
:
|
|
|
مذهب
:
|
|
|
نص العقيدة
:
|
|
|
عقيدة
:
|
|
|
|
المدارسة
|
|
شيوخه
:
|
|
|
تلاميذه
:
|
|
|
|
|